بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

         يتبين لكل متتبع لمسيرة التأليف والنشر، أن كل كتاب لا يخلو من تقديم، يكون توطئة يُهَيَّأ بها القارئ للموضوع الذي سيتناوله الكتاب الذي بين يديه.

 

         ولا يكاد يخرج أمر هذا التقديم عن إحدى حالتين:

 

         أولاهما أن يقدم المؤلف نفسُه لكتابه، وثانيتهما أن يتكفَّل بذلك غيره، إما شخص واحد أو أكثر ممن يتوسم فيهم الكاتب اهتماما بالموضوع المتناول وبصاحبه، خاصة وهو في الغالب ما يكون من أصحاب الدراية والتمرس وذا باع في المجال بحثا ودراسة، ونقدا واطلاعا، ومشاركة وإبداعا.

 

         وهذا ما جعل الكثيرين من المؤلفين حين يعقدون العزم على نشر إنتاجاتهم، يقصدون الأستاذ الدكتور عباس الجراري لتوافر كل هذه المعطيات وغيرها فيه ؛ إذ يزيد أحيانا أن يكون قد عايش العمل باعتباره مشرفا عليه رسالة أو أطروحة ؛ أو أن يكون المصدر الأساسي للمادة التي أدار عليها المؤلِّف كتابه.

 

         ولا غرابة في ذلك وهو المؤطر الصبور والعالم الغيور والموثق الدقيق، وصاحب "المكتبة العباسية" التي تضم من الذخائر والنفائس والمخطوطات ما يساعد على إخراج الكثير من أدبنا الغميس في شقيه المدرسي والشعبي.

 

         يضاف إلى كل هذا أن كتابة تقديم – أي تقديم – يستوجب قراءة فاحصة متأنية تُمكِّن من استيعاب مضمون الكتاب ليتأتى بعد ذلك تقديمه بشكل جيد ومشوق للباحثين الدارسين ولعموم القراء على السواء بالنحو الذي يغريهم بقراءته وعدم تقليب صفحاته ورميه وربما للاعودة إليه.

 

         ولن أخفي – وأنا أعايش الأستاذ – أنه في كل مرة طُلب منه كتابة تقديم إلا وأخذ المؤلَّف ثانية وثالثة ليستخلص مزاياه فيثني عليها، ويكشف نواقصه فينبه لها. وهو بقدر ما يكون كريما في الأولى يكون رحيما في الثانية، يلتمس الأعذار ويشجع على الاستمرار ويحاول جهده لتذليل الصعاب التي تحف بالنشر وتكاد تعوقه.

 

         وبحكم مساعدتي له في الطبع والتصحيح، تسنى لي أن أكون في كل الأحيان أول قارئ لما يكتبه، كما كنت في أحيان قليلة أول ناقد. وكان دائما يتلقى ملاحظاتي بصدر رحب وبسعة خاطر لا يتواجدان إلا عند العالم الفذ والمربي الحق والمؤطر المتمكن ؛ وغالبا ما كان يدخلها في الاعتبار بتواضع منه كبير ممزوج باحترام وتقدير ؛ وكانت أسعد أوقاتنا هي التي نعيشها مع مخاض كل من كتبه أو بحوثه أو مقالاته أو محاضراته أو تقديماته. وكانت هذه الأخيرة تشدني وتثير فضولي أكثر من غيرها لتنوع مضمونها وإيجاز فحواها وتَلَوُنِ مُكَوِّنها الذي كان ضيقا على سعته رحبا رغم صغره.

 

         ويبدو لي أن التقديمات شكل أدبي ونوع من الإبداع لا يقل عن البحث أو المقال أو الرسالة أو الخاطرة أو غيرها من شتى ألوان الإنتاج الفكري، وخاصة التقديمات التي يكتبها الأستاذ لما تتميز به من درس وتمحيص يجعلها أحيانا في مصاف البحث والدراسة.

 

         وحين قيض الله أن تصبح الخطب الجرارية الجمعية موضوعا لأطروحة دكتوراه، على أمل إخراج نصوصها فيما بعد، راودتني فكرة اقتراح تقديماته موضوعا لرسالة جامعية تضاف إلى ما كتب عنه من بحوث ودراسات. ولكنني وقد لمست وعايشت معاناة الباحثين في جمع المادة، أرجأت البوح بهذا الاقتراح لحين يتأتى تعبيد الطريق بجمع كل ما كتب ونشر من هذه التقديمات في شتى المجالات وعلى اختلافها، ما بين دواوين ودراسات مدرسية وشعبية وقضايا وظواهر وبيبليوغرافيا إلخ ...

** ** **

         وتشاء الأقدار أن يتوقف إنتاج الأستاذ بسبب الوعكة الصحية التي تعرض لها أواخر العام الماضي، والعملية الصعبة التي خضع لها أوائل السنة الحالية، وما صاحب كل ذلك من مضاعفات ومعاناة لا أرى الله مثلها لحبيب. وفي تلك الأثناء العصيبة كنت أحسه يألم لكثرة ما عنده من أعمال لم يُتح له إخراجها، ويخشى فوات العمر دون نشرها. وسنحت لي بادرة: لماذا لا أعمل على تعويضه عن بعض ذلك، بأن أجمع وأُعد التقديمات لتصبح جاهزة بين أيدي الدارسين والقراء، سهلة التناول بين دفتي كتاب ربَّما من جزأين أو ثلاثة ؟ ولكن انشغالي بصحة الأستاذ ورعايتي المتواصلة له وملازمتي له التي لم تنقطع لحظة من ليل أو نهار ؛ كلُّها حالت دون ذلك، وخاصة بعد سفرنا لـ "كليف لاند بولاية أوهايو بالولايات المتحدة الأمريكية" لإجراء العملية.

 

         وعدنا بحمد الله، وعادت التقديمات تلح علي. فلِم لا تكون المفاجأة بها مجموعة ومنشورة أحسن هدية أقدما لشريك الحياة، وهو يتعافى ابتهاجا بسلامته، وتأكيدا له أن الوقت لم يفُتنا، وأني سرقت منه فترات خصصتها خلسة لإعداد "كلمات تقديم" ؟ وهو العنوان الذي اقتبسته من موقع الأنترنيت الخاص بالمؤلِّف. وكلي أمل في أن تتاح لي ولو مجرد الإشارة لما ارتأيته من جوانب لفتت انتباهي في كتابته لهذه الكلمـات، وإن كنت لا ازعم أني سأقدمها بمثل ما قَدمت به هي كتبها ... ولكن يكفيني – على قصر باعي وضيق الوقت واختلاس اللحظات حتى أحفظ للمفاجأة حلاوة وقعها – أن أسجل:

 

1-    أنها – أي التقديمات – متنوعة بتنوع المواضيع التي تتناولها، بين شعر وطني،  وشعر جهاد، ومقطوعات صوفية، ودواوين معربة وزجلية رقيقة، وعرض لفن المقامة، وبلاغة القصيدة المغربية، وتأريخ لمنطقة، ورحلة شيقة، وإضاءة على شخصيات كان لها أثرها السياسي أو الأدبي أو الاجتماعي، غيرَ مفرِّق بين المدرسي والشعبي، ولا متجاهل للمواضيع الساخنة الآنية، كموضوع الصحراء المغربية التي ما فتئ يؤكد مغربيتها وارتباطها بالوطن الأم، من خلال التدليل على ذلك بتتبع البيعات، والرحلات، والمساجلات، والإخوانيات وغيرها.

 

2-    أنها تعطي صورة صادقة ومشوقة تغري بالاطلاع على الكتاب.

 

3-    أنها تقدم دراسة وافية عن نوع الكتاب حين يقتضي الأمر ذلك، من مثل ما حصل في تقديم " يا بني"، حيث جاءت بحثا عن "الرسائل" كمنحىً أدبي لم يُلتفت إليه في مغربنا الحبيب.

 

4-    أنها جاءت – في معظمها – تشجع على مواصلة تناول الجديد المفيد كـ "البيبليوغرافيا".

 

5-    أنها تحث على الروح الوطني وترسخ جوانبه المشرقة، على نحو "الأناشيد الوطنية".

 

6-    أنها تناولت القديم والحديث.

 

7-    أنها شملت بعض ما أشرف عليه الأستاذ – رسالة أو أطروحة – وكذا ما لم يكن له فيه دور التأطير، وحتى بعض ما صدر عن جهات رسمية.

 

8-    أنها أعطت المرأة حقها، فهي عنده والرجل سواء لا فضل لأحدهما على الآخر إلا بجودة الإنتاج.

 

9-    أنها في نطاق اهتمامه بالتراث الشعبي لم تغفل جانب "الموسيقى" بل كان لهذه السبقُ في النشر، إذ ضمَّن بعضها في الكتب التالية:

أ‌-         في الإبداع الشعبي. مطبعة المعارف الجديدة، الرباط 1408هـ-1988م.

ب‌-      النغم المطرب. منشورات النادي الجراري رقم 22 مطبعة الأمنية – الرباط 1422هـ-فبراير2002م.

ج- مـع المعاصـرين. الجزء الثاني منشورات النادي الجراري رقم 24 مطبعة الأمنية – الرباط 1423هـ-2002م.

                  

         وهي التقديمات التي لم أشأ إعادة نشرها في هذا المجموع.

 

10-     أنها تخضع عنده لتصميم يجعلها تُفتتح في الغالب بتمهيد للموضوع، فتأتي حسب المقتضى تحديدا للمرحلة زمانا ومكانا، أو تعريفا بالبيئة، أو عرضا عن نسق أدبي متميز، ويُتبع التمهيد بتلخيص موجز وبليغ للكتاب يكون موفِيّاً بكل معطياته ومضامينه. ثم ينتقل للتعريف بالمؤلِّف وذكر علاقته به والإشارة لبعض ملامح سيرته وإنتاجه، وما يتميز به في مجال البحث، مركِّزاً على تخصصه، ليختم بالتعبير عن متمنياته له، مع الدعاء بالتوفيق والسداد واطراد التقدم.

 

11-     أنها في حجمها تتراوح بين قصيرة ومتوسطة وطويلة، دون أن يكون في أيها إخلال بالمطلوب، حسب رؤيته للموضوع وتناوله.

 

12-     أنها من حيث الأسلوب واللغة لا تخرج عما ألفناه من عميد الأدب المغربي من كتابة سلسة بليغة لا تكلف فيها ولا تصنع، وإن تضمنت بعض المحسنات وبدت ألفاظها منتقاة، ولكنها تبقى من السهل الممتنع الذي يسحر بنبراته، حتى لتخاله لحناً ينساب للمسامع فيصل القلوب ويشحذ الأذهان.

** ** **

 

         هذا وقد ارتأيت استبعاد التقديمات التي كتبها في غير الموضوعات المغربية، أو لمن لا ينتمي للمغرب مثل تقديم "من وحي الأطلس" للشاعر الجزائري المرحوم مفدي زكريا.

         وبذلك شمل ما جمعته من تقديمات ما كتبه ابتداء من سنة 1974م إلى منتصف 2006م، فتجمعت لدي حوالي الخمسين، سأبدأ بالجزء الأول منها حسب الترتيب التـاريخي لكتابتها على أن يضم أربعة وعشرين وقفت بها عند عام 2000م ؛ وأتبعه إن شاء الله بالجزء الثاني في انتظار ما سيجد من تقديمات. كما ارتأيت أن أفتتح كل تقديم بإثبات عنوان الكتاب ومؤلِّفه وتاريخ طبعه وفق ما في غلافه.

 

         وأملي كبير في أن يغري هذا المجموع أحد الباحثين ليتناول بالدرس كلمات التقديم الجرارية. وعندها سأحس الرضا لمساهمة جد متواضعة في تجلية جانب من أدبنا المغربي ودراسة أعلامه.

 

         فلعلّي أكون قد وفقت في التعبير عن فرحتي بشفاء زوجي الحبيب من جهة، وفي قطع فترة توقفه من جهة أخرى، مستسمحة "منشورات النادي الجراري" أن أضفت لها كتابا دون علم صاحبها. فليتقبله مشفوعا بكل حبي ولهفتي ووفائي للعهد الذي ربطنا والذي لا تزيد أواصره عندي مع الأيام إلا رسوخا وقوة.

 

         ودعائي متصل أن يحفظه الله، ويبارك علمه وعمله، ويفيض إنتاجه، ويبقيه لأسرته الصغيرة ولمجموعته الكبيرة ولوطنه العزيز في ظل مليكه المفدى جلالة الملك محمد السادس الذي شمله – أعزه الله وأيده – برعايته وعطفه وحدبه.

 

         إنه السميع المجيب وولي الهداية والتوفيق.

 

الرباط الجمعة ثالث جمادى الثانية 1427هـ                             حميدة الصائغ الجراري

الموافق 30 يونيو 2006م